من نحن

في مغارة صغيرة ظلماء، في واد صخري أصم، بين شُعَب جبال كوردستان، اختار النورالالهي أن يسكن هنا في عزلة عن العالم وبعيدا عن جور القلوب التي كانت أقسى من تلك الصخور، يناجي فيه الخالق ويتأمل في عظمته وجلاله ويرتل بصوت شجي الأدعية والأشعار حبا في الله، ولسان حاله:

"قَلْبًا طاهِرًا فاخْلُقْ فِيَّ ياإِلهي. سِرًّا ساكِنًا جَدِّدْ فِيَّ يامُنائِي. وبِرُوحِ القُوَّةِ ثَبِّتْنِي عَلَى أَمْرِكَ يامَحْبُوبِي. وبِنُورِالعَظَمَةِ فَأَشْهِدْنِي عَلى صِراطِكَ يارَجائِي ..." – من أدعية حضرة بهاء الله

هنا كان الكون ساكنا يترقب، وهنا قضى حضرة بهاء الله أهنأ سنتين من حياته استعدادا للإعلان العلني عن رسالته المنتظرة، ليعود بعدها إلى بغداد ويعلن فيها للعالم عن رسالته التي سرعان ما وصلت نفحاتها إلى كافة أرجاء العالم لتقلب قلوب الملايين من عشاقه. هكذا كانت بداية ارتباط الدين البهائي بأرض كوردستان.

تعود علاقة الدين البهائي بكوردستان إلى السنوات الأولى لنشأته، عندما اختارحضرة بهاءالله الرحيل إلى كوردستان في الثاني من رجب 1270هـ الموافق للعاشرمن نيسان 1854م والاعتكاف لفترة من الزمن بين جبالها.

امتلأت حياة حضرة بهاء الله بالمعاناة والآلام والمشقات. ابتداء من رفضه للمنصب والجاه والوزارة التي عرضت عليه في ريعان شبابه من شاه إيران تفرغاً لمساعدة الفقراء ومساندة المظلومين،وصولا إلى المعاداة الشديدة التي لقيها من رجال الدين وحكومتي إيران والإمبراطورية العثمانية والذين لم ترق لهم ما كان يدعو إليه بهاء الله ولم يسرهم رؤية الآلاف من الرجال والنساء الذين آمنوا برسالته واتبعوا دينه. وهكذا كانت حياته الكريمة في جلها سلسلة من المعاناة والحبس والأسر والتعذيب والتهجير.

كوردستان هي الاستثناء في مسيرة حياة حضرة بهاء الله، فهو لم ينل راحة كتلك التي وجدها هنا. يشير حضرة بهاء الله إلى فترة تواجده في كوردستان واعتكافه في جبالها بأنها كانت "أيام السلام والهدوء الوحيدة" التي قدرله أن يتمتع بها "والتي لم تكن من نصيبي بعد ذلك ابداً".أحب حضرة بهاء الله كوردستان وأرضها وشعبها النبيل، وهم بدورهم بادلوه المحبة والترحيب وقدموا له خير الضيافة.

باعتكاف حضرة بهاء الله في جبال وبراري كوردستان دخل الدين الجديد في مرحلة جديدة من تاريخه، مرحلة تذكرنا بمحمد عليه الصلاة والسلام على جبل النور وبموسى عليه السلام في صحراء سيناء. عزلة تستعد فيها تلك النفوس الزكية المختارة لإعلان بزوغ شمس دين جديد وبدء يوم آخر من أيام الله.

بعد أشهر من وصول حضرة بهاء الله إلى كوردستان والاختلاء بنفسه بين جبالها وبراريها واعتكافه في تلك الأرض القريبة إلى قلبه، بدأ الكورد يتبادلون أخبار ذلك الرجل المعتكف بين الجبال ويتناقلون قصص زهده وعظمة شأنه وعذوبة كلماته وأدعيته التي روتها قلة التقوا به مصادفة. ومع تواتر هذه الأخبار اهتم أعيان وعلماء كوردستان بمقابلة ذلك الضيف المعتكف. من بين من حظي بلقاء بهاء الله كان الشيخ إسماعيل زعيم الطريقة الخالدية، والذي ألح – مع غيره من رجالات كوردستان – على حضرته أن ينتقل إلى مدينة السليمانية، حيث ذاع صيته بين القاصي والداني.

في السليمانية التقى حضرة بهاء الله بعدد كبير من أعيان وأهالي كوردستان، أمثال الشيخ عبدالرحمن شيخ الطريقة القادرية،والشيخ عثمان شيخ الطريقة النقشبندية وقطبها،وعمّت شهرته أرجاءالسليمانية وماجاورهامن مدن وسرعان ما انجذب اليه اهالي كوردستان. طرقات وجوامع وآثار السليمانية شاهدة على لقاءاته مع العلماء والعرفاء، وخطبه التي ألقاها فيمن حضروا مجالسه، وتوافد الناس ينهلون من علمه وحكمته ويستمعون إلى كلماته.كما أن كوردستان حظيت كذلك بنزول عدد من أهم آيات وكتب حضرة بهاءالله، قد يكون من أهمها "قصيدة العز الورقائية".

استمر انجذاب أهل كردستان إلى حضرة بهاء الله حتى بعد رحيله عنها. فالعديد من أعيانها استمروا بالتواصل معه بالخطابات والمكاتيب. كما أن عدد من أهلها وأعيانها انجذبوا إلى الكلمة الإلهية التي أتى بها حضرة بهاءالله فمنهم من آمنوا برسالته ومنهم من تبنوا العديد من تعاليمه في حياتهم، ومنهم من حافظوا على حبه في قلوبهم وفاء لتلك التجربة التاريخية الفريدة. تشير القرائن التاريخية إلى توافد عدد من علماء وعرفاء كوردستان لزيارة حضرة بهاء الله بعد رحيله من ديارهم. يفتخر بهائيو كوردستان بأن بعضا من أبرز كتب حضرة بهاء الله العرفانية نزلت تشريفا لشخصيات كوردية، مثل "الوديان الأربعة" والذي أرسل للشیخ عبدالرّحمن الطالبانی الکرکوکی شيخ الطريقة القادرية وكبير آل الطالباني، و"الوديان السبعة" للشیخ محی الدّین المعروف بشيخ الصوفيّن.

إن ما عانى منه الشعب الكوردي من ظلم واضطهاد وعزلة وحصار طوال عقود ممتدة حرم العديد من المؤرخين من زيارة كوردستان وتوثيق تلك الحقبة الهامة من التاريخ. إلا أن بعض جوانبها بدأت تتكشف من خلال أقلام كوردية منصفة كالأديبة الكوردية البهائية المعروفة "بهية فرج الله زكي" والتي تعتبر واحدة من أهم الشخصيات النسائية الكوردية في القرن العشرين.

يُعد البهائيون في كوردستان اليوم إحدى مكونات المجتمع الكوردي الذي يفخر بتنوعه وبتراثٍ حافلٍ بالتعايش والتآلف بين مختلف أديان وطوائف ومكونات أراضي كوردستان. وهم يسعون للقيام بواجباتهم مع أقرانهم تجاه مجتمعهم وبناء وخدمة كوردستانهم والمساهمة في العمل من أجل مستقبل مشرق لهذه الأرض الطيبة وشعبها النبيل. إن بهائي كوردستان يسعون لتعزيز ثقافة تسودها التعايش والمحبة والاتحاد وتختفي فيها كل آثارالعنف والتعصب، منطلقين من تراث مجتمعهم الثري بالتنوع وما يمليه عليهم ايمانهم بتعاليم دينهم التي ترشدهم إلى المحبة والتسامح مع الجميع:

"عَاشِرُوا يَا قَوْمِ مَعَ الأَدْيَانِ كُلِّهَا بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ. كَذَلِكَ أَشْرَقَ نَيِّرُ الإِذْنِ وَالإِرَادَةِ مِنْ أُفُقِ سَمَاءِ أَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" - حضرة بهاءالله