التعايش

ان التعايش والتقارب بين مكونات المجتمع رغم تنوعها او كما يصف البعض "تعلم العيش المشترك والقبول بالتنوع بما يضمن وجود علاقة إيجابية مع الآخر"، هو أحد الأهداف التي تسعى إليها مجتمعات اليوم وخطوة نحو تحقيق الاتحاد والتعاضد بين الأمم والشعوب، ذلكم هو الحلم الذي يراود بشرية حائرة ذاهلة اتعبتها أسقام الفرقة والتناحر والاختلاف التي لم يسلم من أعراضها أحد، حتى باتت أحلام وطموحات أبنائها بل وحتى أرواحهم مهددة بشكل يتزايد كل يوم.

إن التعايش السلمي المنبثق أصلا من حقيقة أن الإنسان كيان اجتماعي يلوذ بالجماعة ولا يستطيع العيش بمفرده، أضحى اليوم حاجة وعنوانا لحوار مستفيض زاد الاهتمام به ليس من قبل أصحاب الفكر والمنظمات الدولية أو الإعلام فحسب بل حتى من أبناء المجتمع ممن يقدرون ما تحمله الصراعات العرقية والدينية والمذهبية من تهديد يقوض بناء مجتمعاتهم ويستنفذ أرواح أبنائهم. فيدرك عدد متزايد يوما فيوم، أن التحدي لا يكمن في التعايش مع من يماثلوننا الدين والقومية أو الأفكار والاهتمامات بل هو بقبول المختلفين عنا والتقرب منهم.

إن فهم من لا يشبهوننا بانتمائهم القومي أو الديني أو المذهبي والبحث عما يجمعنا من صفات وخصال ومبادئ نشترك بها معا، يعزز ويدعم تعايشنا المشترك ويذكرنا بحقيقة أصلنا الواحد، كما أن قبولنا لواقع أن لكل منا ما يميزه؛ يدفعنا إلى التواصل والمساهمة بما لدينا لتحقيق التقدم والازدهار لمجتمعنا مستفيدين من تنوعنا وفروقاتنا.

إن هذا المفهوم وهذه الرؤية ليست ببعيدة عن المجتمع الكوردي، فمنذ بداية تاريخ كوردستان يعيش أفراد من قوميات وأجناس وثقافات مختلفة على هذه الأرض، وهذا التنوع كان دوماً وما يزال مصدراً لجمال وغناء المجتمع الكوردستاني. فالكورد والتركمان والعرب والشبك والإيزيديون والمسيحيون والصابئة (المندائية) والكاكائيون (اليارسان) والمسلمون والبهائيون بالإضافة للمكونات الدينية والإثنية والقومية الأخرى جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الواحد.

ان هذا التنوع يضع مسؤولية بناء كوردستان على عاتق هذه المكونات كمواطنين لهذه الارض، فهم بالرغم من تبايناتهم مشتركون بواقع وجودهم على أرض وطن حاضن يجهد لضمان درجات عُليا من الحرية والتكافل الاجتماعي والتقدم للجميع.

ومن أبرز المراسيم التي تظهر لنا هذه الوحدة في التنوع هو عيد النوروز الذي تحتفل به جميع مكونات كوردستان. فكما نرى في الطبيعة جمال السفوح بألوان الزهور على اختلافها واحتفاء جميع الكائنات ببداية عام جديد، نرى بهاء امتزاج ألوان الأزياء التقليدية الكوردية، وإبداعية الحركات الراقصة المختلفة، وترنيمات الأغاني الباعثة على البهجة والسرور. عيد يجمع كل قاطني المنطقة دون تفرقة. فما أجمل أن نعيش كل أيامنا كالنوروز، نبحث عن خيوط التقارب والمحبة مع الآخرين وننسج روابط تبنى عليها أسس التعايش السلمي.